" ... من المفارقات العجيبة حقا للعقل المسلم جرأته على إلغاء التكليف القرآني بالنظر والتدبر وإسقاطه باجتهاد بشري، وذلك لعدم إدراكه للنص النبوي -البيان القرآني- الذي يقرر: أنها قد تتأتى فهوم مستقبلية أكثر وعيا وإدراكا للنص القرآني: {بلغوا عني ولو آية}، {فرب مبلَّغ أوعى من سامع}، {فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه} .. ونحن بهذا لا ندعو إلى القفز فوق الفهوم التاريخية للقرآن، وهذا الميراث الثقافي الذي يعتبر مفخرة من مفاخر الفكر، والاغتراف من القرآن مباشرة، بمؤهلات وبدون مؤهلات، وإنما نريد أن نحرر العقل من قيوده حيث حرم عليه النظر، وندعو إلى النظر الذي لا يتحقق ولا يتأتى، ولا يستحق أن يسمى نظرا إذا تجاهل الفهوم السابقة، ولعل من أبسط مستلزماته: اصطحاب الاجتهادات السابقة، ولكن لا نقتصر عليهاظن فلكل عصر رؤيته في ضوء مشكلاته ومعطياته.
إن الدعوة إلى محاصرة العقل والحجر عليه، وقصر الفهم والإدراك والتدبر على فهوم السابقين هو الذي ساهم بقدر كبير في الانصراف عن تدبر القرآن، وأقام الحواجز النفسية المخيفة التي حالت دون النظر، وأبقى الأقفال على القلوب، وصار القرآن تناغيم وترانيم، بدل أن يكون الميراث الثقافي وسيلة تسهل الفهم، وتغني الرؤية وتعين على التدبر، أصبح -من بعض الوجوه- عائقا يحول دون هذا كله .. وشيئا فشيئا تتحول القدسية من القرآن إلى السنة، فتجعل السنة حاكمة على القرآن، ومن ثم انتقلت الدسية لفهوم البشر، وبقي الكتاب والسنة للتبرك.
فالمشكلة المستعصية في اختلاط قداسة النص ببشرية التفسير والاجتهاد لذلك النص، وإدراك مرماه، حيث عُد رأي الشيخ أو المتبوع في تفسير نصٍ ما أو فهمه، هو الأمر الوحيد والممكن والمحتمل والأكمل لمدلول ذلك النص، وصار أي رأي أو احتمال آخر خروجا عن الإجماع أو نوعا من الابتداع! وقد لا نستغرب في هذا المناخ أن ينتهي بعض الفقهاء والأصوليين إلى القول: (كل آية أو حديث تخالف ما عليه أصحابنا، فهو مؤول أو منسوخ)! ..."
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة : رين-فلسطين بتاريخ 09-19-2008 الساعة 01:02 PM.