الأخلاق هي الصفات الراسخة في الإنسان التي يتعامل بها مع غيره ولا تزال تظهر آثارها بحسب الظروف والوقائع المختلفة ؛ كالشجاعة والتهور والجبن والحِلم والطيش والأناة والعَجَلَة والجود والإسراف . . . إلخ .
فكأن هذه الصفات مخلوقة مع الإنسان لا تفارقه، ومن ثم أُطِلقَ على الصفة : كلمة خُلُق حيث بينها وبين كلمة خَلق اشتقاق أصغر. (نفس الأحرف والترتيب مع اختلاف الضبط.خُلُقٌ ـ خَلْقٌ) وكما أن الإنسان يستطيع أن يكتسب بالتدريبات الرياضية عضلات مفتولة مخلوقة، فكذلك يستطيع الإنسان أن يكتسب بالتخلق والتكلف أخلاقاً حتى تصير له سجية ومَلَكَة . وفى الحديث الصحيح قَالَ أَشَجُّ بْنُ عَصَرٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ فِيكَ خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ قُلْتُ مَا هُمَا قَالَ الْحِلْمُ وَالْحَيَاءُ قُلْتُ أَقَدِيمًا كَانَ فِيَّ أَمْ حَدِيثًا قَالَ بَلْ قَدِيمًا قُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلَّتَيْنِ يُحِبُّهُمَا {. أخرجه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح مروى في مسلم فدل ذلك على أن من الخلق ما هو طبيعة وجبلَه، وما هو مكتسب بفعل العبد بالاستعانة أيضاً بالله ثم بالهمة العالية وتكلف الُخُلق المطلوب . كما جاء عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ} وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ {رواة البخاري. فمثلاً من لم يرزق خلق الصبر المحمود (بلا قسوة قلب ولا هلع) فإنه عليه أن يدرب نفسه على الصبر في المواقف المختلفة، ويتكلف ذلك مراراً، ويستعد نفسياً لمواجهة أنواع البلاء ويوطن نفسه على ذلك مستعيناً بالله (وما صبرك إلا بالله) لأنه بغير الاستعانة بالله لن يستطيع شيئا (لأن الله تعالى إن لم ييسره لم يتيسر) ومتوسلا بالعمل الصالح عموماً وبالصبر والصلاة خصوصاً، فليحاول بلا ملل أن يكون صابراً، فإن أخفق مرة فليحاول مرة ومرة بلا يأس وليجاهد نفسه على ذلك مستعيناً بطلب العلم عن عاقبة الصبر في الدنيا والآخرة ومغبة صدره، وعن السيرة النبوية والصحابة في ذلك، فهذا هو التصبر الذي يرزق به الصبر (ومن يتصبر يصبره الله) قال تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين). . . وهكذا في جميع الأخلاق من العفة والاستغناء والجود والحلم والتواضع وغير ذلك . . . وكان رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو في استفتاح الصلاة قائلاً (وَاهْدِنِي لأحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لأحْسَنِهَا إِلا أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلا أَنْتَ)رواة مسلم. وهنا ثلاثة أسئلة على هذا الحديث :ـ
1- ما هو أحسن الأخلاق ؟ 2ـ ما هو سيئها ؟ 3- لماذا التنبيه والتوكيد على أنه لا يهدى لأحسنها ولا يصرف سيئها إلا الله ؟ . . . وأرجو من القارئ أن يحاول الإجابة بنفسه عليها قبل أن يقرأ الإجابة هنا حتى يعلم كم بعد المسلمون في زماننا عن فهم حقائق الإسلام ومعاينة . وإليك الإجابة مأخوذة أساساً من كلام بن القيم في المدارج ( منزلة الخلق وغيرها) والفوائد (حدود الأخلاق) .
لكل خُلُقٍ محمود حد وهو وسط بين خلقين ذميمين كالجود الذي يكتنفه خُلُقا البخل والتبذير، والتواضع الذي يكتنفه خلقا : الذل والمهانة، والكبر والعلو . وهكذا ...
فإن النفس متى أنحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولا بد ولنأخذ مثالاً للتوضيح : للشجاعة حد متى جاوزته صار تهورا، ومتى نقصت عنه صار جبنا وخورا. أما حدها فهو الإقدام في مواضع الإقدام والإحجام في مواضع الإحجام . ويلزم أن يكون الشجاع عالما بمواضع الإقدام والإحجام، فيعلم أين يضع الشجاعة وأين يحسن استعمالها . وكثيراً ما تتشابه وتتشابك هذه المواضع حيث يتحير الشجاع أيُقدم أم يُحجم، مثل رجل اجتمع عليه أعداء لا طاقة له بهم وهم جيرانه أو لقيهم مفاجأة في طريق مقطوع، أيقدم على المواجهة معهم فيُقتل أو يغلب، أم يحجم ويظهر أمامهم بمظهر الجبان الذليل المستسلم، أم يحتال ريثما يستعد ويستعين بغيره . . . ومواقف الحياة كثيرة ومتنوعة لا يحصيها إلا الله سبحانه كما أن بين الشجاعة والتهور درجات كثيرة، فيكون انحراف النفس عن الحد المحمود على درجات كثيرة أيضاً، وكذلك بين الشجاعة والجبن . . . والمسلم قد لا يدرى على أية مرتبه يقف وهو مطالب بالشجاعة فأنى له ذلك؟ وكذلك مواضع الإقدام والإحجام والتي قد يحتار فيها الأكابر . كما قال معاوية لعمرو بن العاص رضى الله عنهما : أعياني أن أعرف أشجاعُُ أنت أم جبانُُ !! تقدم حتى أقول : من أشجع الناس، وتجبن حتى أقول : من أجبن الناس
فقال عمرو : شجاعٌ إذا أمكنتنــــــى فرصة 000 فإن لم تكن فرصـــــــــة فجبان
فهذا خلق واحد يحتاج إلي علم صحيح بحده كما سبق، ويحتاج إلى معرفة وتقدير صحيح لمواضع الخير والشر ووضع الخُلُق موضعه الصحيح (وذلك من أحسن الأخلاق) كما يحتاج لصرف الطرفين السيئين (التهور والجبن) وما بينهما من مراتب كثيرة (وذلك من أسوأ الأخلاق) . . . ويتبقى خُلُق الشجاعة لا يهدى إليه علما وعملا إلا : الله سبحانه، كما لا يصرف التهور والجبن علما وعملا إلا الله سبحانه، لا سيما و4 النفس أمارة بالسوء والإنسان ظلوم جهول، فيجهل حدود الأخلاق، وإن عرفها وضعها في غير مواضعها، فيضع الغضب موضع الحلم وبالعكس، ويضع الإمساك موضع البذل وبالعكس . . . فالهداية لأحسن الأخلاق، وصرف سيئها لا يعتمد عليه إلا الله عز وجل . وعلم الحدود هو من أشرف العلوم وأنفعها، حدود الأخلاق والأعمال والمشروعات (أمرا ونهيا) . . . فأعلم الناس هو أعلمهم بتلك الحدود فلا يُدخل فيها ما ليس منها ولا يُخرج منها ما هو داخلٌ فيها . قال تعالى : (الأعراب أشد كفراً ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) فإذا أمر الله بالعدل والإحسان، وجب أن نعلم حد العدل المأمور به وهو الأخذ بالوسط الموضوع بين طرفي الإفراط والتفريط حتى في الأمور الطبيعية كالنوم والسهر والأكل والشرب والحركة والرياضة والخلوة والمخالطة وغير ذلك .إذا كانت وسطا بين الطرفين المذمومين كانت عدلا وإن انحرفت إلى أحدهما كانت نقصا وأثمرت نقصا . . وكذلك في الإحسان وفى الفحشاء والمنكر والبغي وفي كل ما أمر به الله أو نهى عنه . وينبغي أن يعلم أن حسن الخلق هو الدين كله وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، وما قابل ذلك هو الإثم . وفى صحيح مسلم عن النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالإِثْمِ فَقَالَ (الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ) وبمعنى آخر : فإن حسن الخلق هو معاملة الله بالتقوى، ومعاملة الناس بالإحسان .وبالتالي فحسن الخلق طمأنينة النفس والقلب (كما في الحديث الآخر : الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ )رواة أحمد وفي صحيح الجامع برقم2880.وذلك هو الحياة الطيبة التي أخبر الله عنها في كتابة (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة . . . الآية) ويقابل ذلك الإثم وهو حواك الصدور، وما حال فيها واسترابت به . . . وذلك هو المعيشة الضنك وهو سيئ الأخلاق .
ويتضح من ذلك أن حسن الخلق وسوءه في الإسلام غير حسنه وسوءه في عرف كثير من الناس الآن في زمن البعد عن حقائق الإسلام علماً وعملاً . قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم . . .) أي بالحياة الطيبة بأحسن الأخلاق وقال : (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا . . . الآية) وهذا الفرقان هو الذي يُفرق به المؤمن بين أحسن الأخلاق وسيئها وفى أعظم وأوجز دعاء في كتاب الله في قوله (اهدنا الصراط المستقيم) إنما يطلب أساساً دوام الهداية لأحسن الأخلاق علماً وعملاً بلا انحراف كانحراف اليهود (في العمل) والنصارى( في العلم). ومن المعلوم أن الإنسان إنما يعمل على طريقته وعاداته التي ألفها وجُبل عليها، وهى التي تناسب أخلاقه وطبيعته كما قال تعالى (قل كل يعمل على شاكلته) .
وقال تعالى (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) قد أفلح من نماها ووسعها وكبرها بطاعة الله بأحسن الأخلاق، وقد خاب من دساها وحقرها وقمعها بمعصية الله بسيئ الأخلاق. وهنا سؤال هام : كيف نزكى أنفسنا ونجتنب تدسيتها ؟ وهل يعمد أحدنا إلى نفسه فينقب عن خباياها السيئة، ويلبسن في أعماقها بحثاً عما جلبت عليه من سيئ الأخلاق فيحاول قمعها أو انتزاعها كخلق الغضب على سبيل المثال ؟
أم لابد من تسليم ذلك إلى الطبيب المختص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ والإجابة قطعاً بتسليم ذلك للرسالة . قال تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة .. الآية) وتكرر هذا المعنى كثيراً في كتاب الله . والطريقة هي الطاعات المختلفة والعمل الصالح الذي تتوظف فيه الصفات المذمومة فتصير عبوديات عظيمة، وذلك بدون الدخول في أصعب شئ على الطبيعة الإنسانية وهو تغير الأخلاق التي طُبعت النفوس عليها أو علاجها وإنالتها . لقد سأل بن القيم شيخه بن تيميه عن ذلك فقال له : (النفس مثل الباطوس ـ وهو حب القذر(مقلب زبالة) ـ كلما نبشته ظهر وخرج . ولكن إذا أمكنك أن تُسقف عليه وتعبره وتجوزه فأفعل، ولا تشتغل بنبشه فإنك لن تصل إلى قراره، وكلما نبشت شيئاً ظهر غيره) .
نأخذ مثالاً بخلق سيئ كالكبر، فهو يغذى أخلاقاً مذمومة كالعلو والفخر، والبطر والظلم والعدوان، لكنه أيضاً يغذى أخلاقاً حميدة كعلو الهمة، والأنفة والحمية والمراغمة لأعداء الله وقهرهم والعلو عليهم، فلماذا لا تبقيه على حاله في النفس لكن نستعمله حيث يكون استعماله أنفع . . . مثال آخر بالخيلاء وهو خلق سيئ يبغضه الله، لكن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبو دجانه يتبخر بين الصفين فقال (أنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموضع )فصارت الصفة المذمومة عبودية، وجعل هذا الخلق يجرى في أحسن مواضعه . وكذلك خلق الغضب الذي يحمل على الكبر والحسد والحقد والعدوان والسفه، فيمكن استعماله في الغصب لله وذلك يعين على ترك الغضب للنفس . وسيأتي تفصيل ذلك .